ابن قيم الجوزية

134

حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح

الأنهار وسررها وفرشها وأكوابها مخالف لما في الدنيا من صنعة العباد كما قال ابن عباس ليس في الدنيا شيء مما في الجنة إلا الأسماء والأكواب في الدنيا قد تكون من فضة وتكون من قوارير فأعلمنا اللّه أن هناك أكوابا لها بياض الفضة وصفاء القوارير قال وهذا على التشبيه أراد قوارير كأنها من فضة وهذا كقوله تعالى كَأَنَّهُنَّ الْياقُوتُ وَالْمَرْجانُ أي لهن ألوان المرجان في صفاء الياقوت . وهذا مردود عليه فإن الآية صريحة أنها من فضة ، و « من » هاهنا لبيان الجنس كما تقول خاتم من فضة ولا يراد بذلك أنه يشبه الفضة بل جنسه ومادته الفضة ولعله أشكل عليه كونها من فضة وهي قوارير وهو الزجاج وليس في ذلك إشكال لما ذكرناه . وقوله ( قَدَّرُوها تَقْدِيراً ) التقدير جعل الشيء بقدر مخصوص فقدرت الصناع هذه الآنية على قدر ريهم لا يزيد عليه ولا ينقص منه وهذا أبلغ في لذة الشارب فلو نقص عن ربه لنقص التذاذه ولو زاد حتى يشمئز منه حصل له ملالة وسآمة من الباقي هذا قول جماعة من المفسرين ، قال الفراء قدروا الكأس على قدر ري أحدهم لا فضل فيه ولا عجز عن ريه وهو ألذ الشراب . وقال الزجاج جعلوا الإناء على قدر ما يحتاجون إليه ويريدونه . وقال أبو عبيد يكون التقدير الذين يسقون يقدرونها ثم يسقون يعني أن الضمير في قدروا للملائكة والخدم قدروا الكأس على قدر الري فلا يزيد عليه فيثقل الكف ولا ينقص منه فتطلب النفس الزيادة كما تقدم ، وقالت طائفة الضمير يعود على الشاربين أي قدروا في أمسهم شيئا فجاءهم الأمر بحسب ما قدروه وأرادوه ، وقول الجمهور أحس وأبلغ وهو مستلزم لهذا القول واللّه أعلم * وأما الكأس فقال أبو عبيدة هو الإناء بما فيه وقال أبو إسحاق الكأس الإناء إذا كان فيه خمر ويقع الكأس لكل إناء مع شرابه والمفسرون فسروا الكأس بالخمر وهو قول عطاء والكلبي ومقاتل ؟ حتى قال الضحاك كل كأس في القرآن فإنما عني به الخمر وهذا نظر منهم إلى المعنى والمقصود فإن المقصود ما في الكأس لا الإناء نفسه . وأيضا فإن من الأسماء ما يكون اسما للحال والمحل مجتمعين ومنفردين كالنهر والكأس فإن النهر اسم للماء ولمحله معا ولكل منهما على انفراده وكذلك الكأس والقرية ولهذا يجيء لفظ القرية مرادا به الساكن فقط والمسكن فقط والأمران معا وقد أخرجا في الصحيحين من حديث أبي موسى الأشعري أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « جنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما ، وجنتان من فضة آنيتهما وما فيهما ، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن »